لقد شهد الاقتصاد العالمي مع نهاية القرن العشرين العديد من التطورات التى تحمل الكثيرمن صور التحدى للقدرات البشرية في إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية المعاصرة خاصة مع التطور الكبير في دورالأسواق المالية في تنمية اقتصاديات الدول , ونمو حركة التجارة الدولية وسقوط العديد من النظم الاقتصادية الموجهة والمركزية , وظهور مفهوم جديد لما يسمى بالعولمة الاقتصادية.

ونتيجة لتزايد العولمة فى نشاط الشركات في مختلف دول العالم , والتطور المتزايد والمستمر فى العمليات المالية, فقد حدثت بعض الانهيارات المالية المفاجئة في بعض أسواق المال النامية والناشئة بسبب فشل العديد من تلك الأسواق بالتقيد بالأعراف وأساليب الضبط المقيدة لعملياتها .

وقد كان لهذه الإنهيارات إنعكاسات سلبية على الاقتصاد المحلى والدولي و كانت إرهاصاً لبوادر أزمة مالية عالمية , ألقت بظلالها مع بدايات القرن الواحد والعشرين على الاقتصاد العالمى, وبرزت تأثيراتها وإنعكاساتها على النظام المالي العالمي من تقلبات مستمرة في أسعار الفائدة وأسعار صرف العملات الأجنبية وأسعار السلع والخدمات , وزيادة حدة المنافسة , مما أدى لتعرض الشركات إلى العديد من المخاطر ومنها المخاطر المالية التي تؤدى إلى تقلبات حادة في نتائج الأعمال والقيم السوقية الخاصة بها .

وفى ظل هذه التطورات وجدت الشركات نفسها في أمس الحاجة إلى إستحداث آليات جديدة تفي بسد احتياجاتها من السيطرة على الأخطار وتحجميها وإدارتها , فما كان يمثل بالأمس حلولاً إبداعية للعديد من مشاكل التمويل وإدارة المخاطر للتحوط ضد الأخطار , لم يعد اليوم موائماً لظروف العصر وما صاحبه من تطورات راهنة في ظل عولمة الاقتصاد وإنحسار الحواجز في أسواق المال على إختلافها وتنوعها وتشعبها . ومن هنا ظهرت تيارات فكرية جديدة فى أدبيات الإدارة المالية تنادى بضرورة تجديد فكر الإدارة المالية بما يستوعب تلك التغييرات وينهض بمشاكلها ومنها إشكالية إدارة المخاطر المالية بالشركات .

إن المتتبع لأدبيات الإدارة المالية يرى أن إتجاه الشركات عادة ماتهتم بقياس نتائج الأعمال على أساس المؤشرات المالية ومؤشرات الربحية مع التركيز على نتائج الأفعال وليس المسببات , كما أن هذا الاتجاه لايقدم معلومات دقيقة للتنبؤ بآداء العمليات والمخاطرالتى تواجهها الشركة , وهو مايتعارض مع هدف تعظيم ثروة الملاك وحملة الأسهم . إذ أن زيادة الربحية يشير الى سعى الشركة الى توليد أكبر قدر ممكن من العائد مع خفض التكاليف , بينما هدف تعظيم الثروة يتطلب إحداث توازن من جانب الشركة بين فرصة الحصول على عوائد مرتفعة من ناحية وإدارة المخاطرالناتجة عن تلك العوائد من جهة أخرى . ومن هنا كانت فكرة الكتاب التى نسعى من خلال طرحها إلى إيجاد منهجية لتحقيق فكرة التوازن بين إدارة المخاطر المالية من جهة وتحقيق هدف تعظيم ثروة الملاك وحملة الأسهم من جهة أخرى بما يؤدى إلى التنمية المستدامة للشركات واستمرارها فى ظل توليد عوائد مجزية مستخدمين فى ذلك أنماطاً غير تقليدية فى المعالجة ومعتمدين على ما أفرزه علم الادارة الحديثة من منهجيات جديدة فى قياس مؤشرات الأعمال ومنها بطاقة الآداء المتوازن .


لقد أفرزت الأزمة المالية العالمية أمراً غاية فى الحيوية بما يحمله من إشكالية فى الأداء والتطبيق على أرض الواقع العملى , وهو فكرة تحقيق التوازن بين هدف الشركة فى تعظيم
ثروة الملاك وحملة الأسهم من خلال تحقيق عوائد مجزية من ناحية وإدارة المخاطر المالية
بحرفية من جهة أخرى. إذ أن تغير آليات السوق فى التعامل مع المخاطر المالية بعد الأزمة
المالية العالمية قد تغيرت , إذ باتت تتسم بمستويات مختلفة من التعقيد والصرامة فرضتها
ظروف السوق والأنظمة والقوانين والمعايير المحلية والدولية المتبعة حالياً، بالإضافة إلى
أنه أصبح لزاماً على أعضاء مجالس إدارات الشركات وجهازها الإدارى العاملة فى مختلف
المجالات بذل المزيد من الحرص على ضبط أنشطة الشركات لخضوعهم لمعايير وضوابط
أكثر دقة لمحاسبتهم على نتائج حسن اداراتهم لهذه الشركات .

كذلك فقد ذهبت نظرية الوكالة - وهى من أهم النظريات الحاكمة فى الإدارة المالية – إلى
تقسيم صافى دخل الشركة مابين أرباح موزعة على المساهمين وأرباح محتجزة , إذ أن
المساهمين يفضلون خيار توزيع الأرباح أكثر من خيار الأرباح المحتجزة , وهذا الخيار أقوى
فى أسواق المال الناشئة والتى تنتمى إليها منطقتنا العربية , وبالتالى فإن خيار المساهمين قد
ينعكس بالسلب على سياسة توزيع الأرباح بالشركة ويبعد عن هدف تعظيم ثروة الملاك وحملة
الأسهم , إذ قد يزج بالشركة فى دائرة الأخطار المالية التى قد تؤدى بها إلى الإفلاس أو العسر
أوالفشل المالى , خاصة إذا ماكانت الشركة تفتقر إلى إطار عمل جاد وحقيقى لتخطيط وإدارة
المخاطر المالية .

كذلك فإن العلاقة بين العائد والمخاطر هى علاقة تعويضية أو توازنية , حيث أنه كلما زادت المخاطر المترتبة على القرار المالى , زاد العائد المطلوب للتعويض عن تلك المخاطر , ومن هنا
فإن التحدى الأساسى للعديد من الشركات التى تعمل فى ظل بيئة ذات تطور تكنولوجى واسع ومنافسة شديدة , هو الحاجة إلى التوجه نحو السوق وبالتالى إخضاع كافة عملياتها للإختبار من قبل السوق , الأمر الذى يتطلب التركيز على خلق القيمة ومن ثم التركيز على مفهوم تعظيم ثروة الملاك كهدف أساسى واستراتيجى , مع الأخذ فى الإعتبار العلاقة بين العائد والمخاطرة.

كذلك فإن ظهور صور التمويل المختلفة غيرالتقليدية من حيث التصميم وتواريخ الاستحقاق والذى أفرزه مفهوم الهندسة المالية لمقابلة إحتياجات المستثمرين أوطالبى التمويل , قد يغرى
المساهمين فى الضغط على مجالس إدارات الشركات فى قبول تلك الصور من التمويل دون إتخاذ إجراءات التحوط اللازمة رغبة منهم فى جنى عوائد استثمار مرتفعة على حساب التحوط للمخاطر المالية , ودون معرفة وخبرة ودراية طويلة من خلال مؤسسات أوشركات الوساطة المالية المتخصصة , الأمر الذى يلحق الضرر بالمساهمين والشركة .
ومن هنا , ولكل هذه المقتضيات ولغيرها , فقد استدعت الحاجة إلى البحث عن آليات جديدة يمكن من خلالها تحقيق التوازن والموائمة بين هدف الشركة فى تعظيم ثروة الملاك وحملة الأسهم من خلال تحقيق عوائد مجزية من ناحية وإدارة المخاطر المالية بحرفية من جهة أخرى.

ونظراً لما حظيت به بطاقة الآداء المتوازن من ترحيب واسع الإنتشار على مستوى المنشآت على إختلاف أنواعها وأحجامها ونظراً لمنهجيتها التى تقوم على تتبع المقاييس الهامة الموجهة نحو إستراتيجية العمل بالمنشأة والتى تأخذ فى الاعتبار الأنواع المختلفة من الآداء كل على حدة( المالية ، العملاء ، العمليات الداخلية ، التعلم والنمو ) مما يساعد على تضمين مقاييس آداء فعالة توفر أساس
مطلوب للمسئولية والمحاسبة , كما توفر للإدارة التنفيذية القدرة على تطوير المقاييس التى تساعد على التنبؤ الدقيق بصحة ثروة الملاك والمساهمين. لذا فقد برزت فكرة الاستعانة بمنهجية بطاقة الآداء المتوازن كآداة فاعلة فى إدارة المخاطر المالية كمدخل لتعظيم قيمة الشركات .

وتأسيساً على ماسبق , فإن هدف هذه المقالات الرئيسى هو التأصيل لإطار مقترح يستند الى منهجية علمية لإدارة المخاطر المالية باستخدام منهجية بطاقة الآداء المتوازن كمدخل لتعظيم القيمة بالشركات , وذلك من خلال إستقراء وتحليل الكتابات والدراسات المرتبطة بهذا المجال ، ويتم تحقيق هذا الهدف من خلال الإجابة على عدة تساؤلات بحثية كما يلى :

1- ماهى المخاطر المالية ؟
2-ماهى أدوات قياس وادارة المخاطر المالية ؟
3-ماهو مفهوم تعظيم القيمة بالشركات ؟
4-ماهى منهجية بطاقة الآداء المتوازن ؟
5-هل هناك تعارض بين هدف ادارة المخاطر المالية وهدف تعظيم القيمة بالشركات ؟
6-هل يمكن اشتقاق اطار لادارة المخاطر المالية باستخدام منهجية بطاقة الآداء المتوازن بهدف تعظيم القيمة بالشركات ؟

ومن هنا تنبع أهمية الدراسة خاصة فى جانبها الذى يعتمد على منهجية بطاقة الآداء المتوازن فى إدارة المخاطر المالية . حيث تبين من خلال المسح للعديد من الدراسات السابقة المتوافرة بين ايدينا والتى تناولت موضوع ادارة المخاطر المالية إعتمادها على أساليب تقليدية فى كثير من جوانبها لقياس وإدارة المخاطر المالية , ولم يتم استخدام منهجية بطاقة الآداء المتوازن من قبل فى عملية إدارة المخاطر المالية كأسلوب منهجى غير تقليدى فى هذا المجال. أضف الى ذلك ما تمثله عملية إدارة المخاطر المالية وهدف تعظيم القيمة بالشركات من أهمية كبرى فى ظل تغييرات آليات السوق نظراً لكثير من الاعتبارات التالية :

الأهمية النظرية :

1- أن مدخل خلق القيمة يركز على الإطار العام للنظرية الحديثة للتمويل والإدارة المالية ,
ويجعل مفهوم تعظيم القيمة هى المعيار الأساسى الذى يحكم جميع القرارات بمنشآت
الاعمال , بحيث يتم الحكم على أى قرار من خلال مدى مساهمته فى تعظيم ثروة الملاك
بالمنشأة.

2- أن الإستراتيجية الفعالة فى عصر المنافسة والتغير السريع هى التى تستطيع بناء التوافق بين
المؤشرات الداخلية والخارجية للأداء . ومن خلال بطاقة الآداء المتوازن يمكن الربط
بين تعظيم قيمة المنشأة من ناحية وتفعيل إدارة المخاطر المالية من ناحية أخرى بما
يساعد الإدارة على إتخاذ القرارات التى تحقق تحسين الآداء وتعظيم القيمة .

3- أن الأدوات المالية التقليدية والمعتمدة على المشتقات المالية فى إدارة المخاطر المالية لاتتناسب
وسوق المال العربية لعدد من الإعتبارات الشرعية , كذلك المؤشرات المالية كالنسب المالية
والتحليل المالى والموازنات التخطيطية تعد أدوات تحليلية لما بعد الحدث وهو ما يجعلها
تتمتع بقدرة محدودة على التنبؤ بالمستقبل,لذا فإن تطوير أدوات إدارة المخاطر المالية
بدمج منهجية بطاقة الآداء المتوازن بأبعادها الأربعة مع الأدوات المالية التقليدية ، بالاضافة
للأدوات المالية المبتكرة يساعد بلاشك على تحسين صورة التنبؤبالمستقبل ويجعلها
أكثر سهولة للفهم من قبل غير الماليين ويجعل من السهولة بمكان وضع سيناريوهات ملائمة
للأحداث المستقبلية المحتملة .

الأهمية التطبيقية :

1- منشآت الأعمال هى العمود الفقرى للنشاط الأقتصادى ومحور حركته , وبالتالى فان أى
مخاطر مالية تواجه تلك المنشآت ستؤثر بالضرورة على حركة النشاط الأقتصادى ككل
وبما يهدد النظام الأقتصادى العام

2- مازالت الأسواق المالية فى الأسواق الناشئة والنامية ومنها السوق السعودية لم تسمح
بتداول العديد من الأدوات المالية المشتقة , وبالتالى فإن إطارإدارة المخاطر المالية فى
السوق الناشئة ينحصر فى بعض الحلول التقليدية المرتبطة بإدارة تلك المخاطر, لذا فإن
ابتكار حلول جديدة فى هذا الإطار من خلال منهجية بطاقة الآداء المتوازن يعد خطوة على
الطريق نحو التطوير.

3- أن تطويع واستخدام منهجية بطاقة الآداء المتوازن فى إدارة المخاطر المالية بهدف تعظيم
القيمة يعد بداية على الطريق نحو إستحداث آليات وإستخدامات جديدة لبطاقة الآداء
المتوازن ,وتفعيل لمفهوم بناء العمل المشترك .

يتبع