إن الدراسة الرسمية لإدارة المخاطر بدأت في أواخر النصف الثاني من القرن العشرين، حيث أشارت دراسة MARKOWITZ سنة 1959 إلى أن اختيار المحفظة ما هو إلا معضلة تعظيم العائد المتوقع منها و تخفيض مخاطرها، بمعنى أن المشكلة التي تواجه المستثمرين هي إيجاد التوليفة المثلى من المخاطر و العائد ، و قد أشار تحليل MARKOWITZ إلى العناصر الخاصة و العامة للمخاطر و أن تخفيض أثر المكون الخاص للمخاطر يتم من خلال تنويع محفظة الأصول، بينما يتحمل المستثمر العنصر العام في المخاطر، إلا أن هذا المنهج واجه مشكلات عملية في حالة احتواء المحفظة الاستثمارية على أصول كثيرة.
وقد أظهرت الدراسات التى قدمها العالمان مودجليانى وميلر ( M&M ) عامى 1958و1961 أن قيام المنشآت بادارة المخاطر المالية هى عملية غير مجدية , أذ لن ينجح المديرين فى ظل أسواق المنافسة الكاملة وفى ظل توافر المعلومات وعدم وجود ضرائب أوتكاليف للمعاملات الى تحقيق أى قيمة للمساهمين , أذ أن المساهمين وفقا لأفتراضات النظرية يكونوا قادرين على القيام بادارة مخاطرهم بأنفسهم وبدون تكلفة .
وتعد نظرية ( M&M) من أبرز النظريات فى أدبيات التمويل , أذ تنفى وجود أى علاقة للهيكل المالى بالقيمة السوقية للمنشأة , وهذا يعنى أن القرار التمويلى الذى قد ينطوى على مخاطرة لايرتبط بأنخفاض القيمة السوقية للمنشأة أو أرتفاعها وانما يتحدد ذلك بالقرار الأستثمارى للمنشأة .
وقد قامت النظرية على عدد من الفروض أهمها :
1- المنافسة الكاملة . وجود سوق للمنافسة الكاملة يحكم تعاملات المنشأة .
2- توفر كامل للمعلومات . مما يتيح للمستثمرين والمنشآت المعرفة الكاملة بالسوق .
3- لايوجد تكاليف للمعاملات الى تتم بالسوق .
4- لاتوجد ضرائب على الأرباح المتولدة عن معاملات السوق .
وقد خلصت النظرية فى مراحلها الأولى الى أستنتاج مفاده أن الشركات المتماثلة فى كافة أوجه الأنشطة وتختلف فى هياكلها التمويلية تتساوى فى قيمتها السوقية , وبالتالى لن يؤثر الرفع المالى على القيمة السوقية للمنشآت .
وفى عام 1963 قاما M&M بتحرير نظريتهما من قيد الضرائب وخلصا الى أن الشركة التى تعتمد فى تمويلها على القروض تفوق مثيلاتها التى تعتمد فى تمويلها على أموالها المملوكة , وعليه فهيكل التمويل الأمثل للمنشأة يتحقق عندما تصل نسبة الأقتراض الى 100% .

وقد تعرضت تلك النظرية لأنتقادات عدة لعدم واقعية مجموعة الأفتراضات التى قامت عليها وعدم مسايرتها للواقع . غير أن نظرية M&M تعد أحد الدعائم الأساسية لنظرية الهيكل التمويلى وللعديد من الدراسات والنظريات اللاحقة فى أدبيات التمويل حيث ظهرت العديد من الدراسات التالية لمناقشات M&M والتى توضح أن الأقتراض يجب أن يكون فى حدودمناسبة لأنه يجب الموازنة فى ظل مفهوم التكلفة والعائد بين المنافع من وراء الضرائب وبين التكاليف الأخرى الناتجة من المخاطر المالية التى تصاحب زيادة نسبة الأقتراض . ومن أهم التفسيرات التى أظهرت ذلك :
1- أن الأسواق المالية غير الكاملة تضع حدودا على سياسات التمويل بالمنشآت .
2- أن المديرين ربما يتجنبون نسب المديونية العالية كمحاولة لحماية وظائفهم وأستقرار ثرواتهم الشخصية.
3- أن تصنيف الأئتمان للمنشآت بواسطة البنوك أو المقترضين الآخرين ربما يفسر لماذا هناك حدود على أقتراض المنشآت .
4- أن قرارات التمويل بالمنشآت ربما تكون أدوات اشارة تحمل المعلومات الى المستثمرين حول ربحية ومخاطر الأعمال بالمنشأة
5- أن تكاليف الأفلاس من المحتمل أن تعوق الأقتراض .
6- أن أحتمال فقد الفرص الأستثمارية المربحة نتيجة الضغوط المالية التى تفرضها الديون على المنشأة ربما يمثل أحد المبررات لوجود حدود على سياسة الأستدانة بالمنشأة .
أن المبررات السابقة تشير بقوة الى أهمية ادارة المخاطر المالية بالمنشأة كأستراتيجية لتوظيف السياسة المالية بالمنشأة بقصد الأستفادة من أدوات الدين الأقل خطرا ومن ذلك السندات القابلة للتحويل , بما يجعل الوفورات الضريبية تزيد على التكاليف الأخرى الناتجة عن الديون .

و في عام 1964 طور SHARPE نموذج تقييم الأصول الرأسمالية و تناول فيه مفهومين للمخاطر العامة و المتبقية، و قد ضم هذا النموذج ما يسمى بالعامل الوحيد للمخاطر الذي يقيس درجة حساسية الأصول للتغيرات في السوق (معامل BETA) حيث يمكن تشتيت المخاطر المتبقية( الخاصة بالمنشأة) بتنويع المحفظة بينما يقيس معامل BETA درجة حساسية المحفظة لدورات العمل المقاسة بمؤشرات إجمالية، و قد انتقد هذا النموذج لاعتماده على مؤشر واحد لتفسير المخاطر الكامنة في الأصول.
أما نظرية مراجحة الأسعار التي تقدم بها ROSS سنة 1976 فمفادها أن عددا من العوامل تؤثر في العائد المتوقع على الاستثمار ، و مما جاء في هذا النموذج أن المخاطرة الإجمالية هي حصيلة جمع المخاطر المرتبطة بكل عامل إضافة إلى المخاطر المتبقية، و قد حازت هذه النظرية قبولا واسعا إلا أنه لا يتوفر إجماع على العوامل التي تؤثر في مخاطرة كل أصل أو في الطريقة التي تقدر بها هذه المخاطرة.

ومن هنا فقد سعى العديد من الباحثين منذ ثمانينات القرن الماضى الى دراسة أهتمامات المنشآت بأدوات ادارة المخاطر المالية فظهرت العديد من الدراسات فى أدبيات التمويل التى بحث فى هذا الخصوص , ومن ذلك دراسة ستيفن روس (Stephen Ross, 1986) ودراسة تتمان ووسلز
(Titman &Wessels,1986) وشول وهيلى 1979 وبرجهام وجابنسكى 1993 .

وفى محاولة منها لتفسير أهمية ادارة المخاطر المالية , فقد قامت العديد من تلك الدراسات بايضاح الفوائد العديدة والمحققة من قيام المنشآت بادارة المخاطر المالية , وأن هذه الفوائد تؤثر بشكل فعال على
القيمة السوقية للمنشأة , ومن ذلك دراسة (Jensen & Mecklikg)عام 1976 حول علاقة تكاليف الوكالة بالهيكل التمويلى , وكذلك دراسة بيرنى وزملاؤه عام 1984والتى أهتمت بدراسة التأثير السلبى للأقتراض على القيمة السوقية للمنشأة بالأضافة لتعرضها لخطر الأفلاس , كذلك دراسة Jensen عام 1986 والتى أهتمت بتطوير مفهوم تكاليف الوكالة فيما يتصل بالهيكل التمويلى ليشمل تكاليف سوء أستخدام السيولة الزائدة فى حال توافرها من قبل ادارة الشركة ليخدم مصلحتها على حساب مصالح المساهمين , وهو ما يعرف بنظرية فائض النقدية Free Cash Flow Theory.

وترى تلك الدراسات أن هناك العديد من المنافع المتوقعة من قيام المنشأة بادارة المخاطر
المالية , حيث تشير تلك الدراسات الى أن اعادة الهيكلة للمنشأة يحقق العديد من المنافع
ومن ذلك :
1- تقوية الحوافز لدى ادارة المنشأة .
2- الأنجاز الأكفأ والأفضل لأعمال المنشأة .
3- شحذ تركيز الادارة .
4- خلق كيانات ( شركات ) جديدة تمتلك أستثمارات فريدة ومتميزة .
5- تدنية الأستثمارات الغير منتجة للتدفقات النقدية .
6- الغاء الأعانات ( المخصصات ) المالية للأعمال ذات الآداء المنخفض .
7- تحقيق الأستخدام الأقتصادى للأصول .
8- زيادة قدرة المنشأة على الأستدانة .
9- تحقيق وفر ضريبى .
10- تخفيض تكاليف الوكالة .
وهناك العديد من الدراسات الأخرى والتى ركزت بشكل مباشر على مناقشة أنشطة ادارة المخاطر بالمنشأة وأوضحت أن هناك العديد من المبررات أو الأسباب وراء قيام المنشآت بادارة المخاطر , وتكمن هذه المبررات فى :
1- حالة أسواق المال غير التامة .
2- ا لرغبة فى تخفيض تكاليف الضغوط المالية .
3- زيادة القدرة على أستيعاب الديون .
4- تخفيض تكاليف الأقتراض.
5- الحفاظ على موازنة رأسمالية مثلى .
ومع زيادة الوعى نحو قيام المنشآت المختلفة بادارة المخاطر المالية , فقد تبنت النظرية الأقتصادية نظرة مغايرة لما تبنته سابقا , فأصبح الأقتصاديون يصنفون المنشآت تبعا لمستويات المخاطر المصاحبة لكل منها , وتبع ذلك تغير مفهومهم نحو مفهوم المخاطرة الى توقع أختلافات فى العائد بين المخطط
والمطلوب المتوقع حدوثه . وأصبح الأقتصاديون يأخذون التصنيف السابق الاشارة اليه للمخاطر كأحد
الأعتبارات الأساسية لتقدير جاذبيتها للتمويل الخارجى من ناحية وتقدير قيمتها الحقيقية من ناحية أخرى . ويرى البعض " أن هناك تطور مستمر فى طريقة التفكير فى المخاطر المالية والمجالات التى تنشأ عنها , وكذلك أساليب وأدوات ادارة كل منها . وحديثا قامت النظرية الأقتصادية بتطويرعدة نظريات تساعد على أتخاذ التدابير المناسبة فى ادارة المخاطرالمالية بالمنشأة من أجل تعظيم القيمة